عثمان بن جني ( ابن جني )

442

الخصائص

باب في الامتناع من نقض الغرض اعلم أن هذا المعنى الذي تحامته العرب - أعنى امتناعها من نقض أغراضها - يشبه البداء " 1 " الذي تروم اليهود إلزامنا إياه في نسخ الشرائع وامتناعهم منه ؛ إلا أنّ الذي رامته العرب من ذلك صحيح على السبر ، والذي ذهبوا هم إليه فاسد غير مستقيم . وذلك أن نسخ الشرائع ليس ببداء عندنا ؛ لأنه ليس نهيا عمّا أمر اللّه تعالى به ، وإنما هو نهى عن مثل ما أمر اللّه تعالى به في وقت آخر غير الوقت الذي كان - سبحانه - أمر بالأوّل فيه ؛ ألا ترى أنه - عزّ اسمه - لو قال لهم : صوموا يوم كذا ، ثم نهاهم عن الصوم فيه فيما بعد ، لكان إنما نهاهم عن مثل ذلك الصوم ، لا عنه نفسه . فهذا ليس بداء . لكنه لو قال : صوموا يوم الجمعة ، ثم قال لهم قبل مضيّه : لا ( تصوموه ) لكان - لعمري - بداء وتنقّلا ، واللّه - سبحانه - يجلّ عن هذا ؛ لأن فيه انتكاثا ، وتراجعا ، واستدراكا ، وتتبعا . فكذلك امتناع العرب من نقض أغراضها ، هو في الفساد مثل ما نزّهنا القديم - سبحانه - عنه من البداء . فمن ذلك امتناعهم من ادّغام الملحق ؛ نحو جلبب ، وشملل ، وشربب ( ورمدد ومهدد ) " 2 " وذلك أنك إنما أردت بالزيادة والتكثير البلوغ إلى مثال معلوم ، فلو ادّغمت في نحو شربب فقلت : شربّ ، لانتقض غرضك الذي اعتزمته : من مقابلة الساكن بالساكن ، والمتحرّك بالمتحرّك ، فأدّى ذلك إلى ضدّ ما اعتزمته ، ونقض ما رمته . فاحتمل التقاء المثلين متحرّكين ؛ لما ذكرنا من حراسة هذا الموضع ، وحفظه . ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل . وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته ، فلا بدّ من أن يكون منكورا لا يسوغ تعريفه ؛ لأنه لو كان معرفة لما كان مستفادا ؛ لأن المعروف قد غنى بتعريفه عن اجتلابه ليفاد من جملة الكلام . ولذلك قال

--> ( 1 ) البداء : استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم ، وذلك على اللّه غير جائز . اللسان ( بدا ) . ( 2 ) شملل : أسرع . شربب : موضع . ويقال : رماد رمدد : كثير دقيق جدا . ومهدد : اسم امرأة .